كنت أستحق فرحتي، لكن زوجة أبوي كان لها رأي آخر!الجزء الثالث
الجزء الثالث
صحيت من النوم على صوت أبوي يناديني بخوف، ولما طلعت من غرفتي، شفته واقف عند باب غرفة زوجته، وملامحه متغيرة بشكل ما قد شفته عليه من قبل
قال لي بصوت مرتجف: تعالي بسرعة يا بنتي، زوجة أبوك تعبانة، وما أدري وش أسوي معها
دخلت الغرفة، ولقيتها على السرير، وجهها شاحب، ويدينها ترتجف، وكانت تتنفس بصعوبة. قربت منها، وحاولت أفهم وش فيها، لكن حالتها كانت تحتاج تدخلًا طبيًا عاجلًا، فاتصلنا بالإسعاف وأخذوها للمستشفى
جلست مع أبوي في الممر، وأنا أحاول أهدّيه، رغم إن قلبي كان مليان مشاعر متضاربة. هذي المرأة ظلمتني سنين طويلة، وحرمتني من أبسط حقوقي، لكنها في النهاية إنسانة مريضة، وأبوي كان خائفًا عليها بشكل ما قدرت أتجاهله
بعد الفحوصات، خرج الطبيب وتكلم مع أبوي على انفراد. ما سمعت وش قال له، لكني شفت أبوي يحط يده على وجهه ويبكي، ولما رجع وجلس جنبي، سألته بخوف
«وش فيها يا أبوي؟ تكفى قل لي، لا تخوفني
رفع رأسه، وكانت عيونه مليانة دموع، وقال
«زوجة أبوك عندها مرض خبيث، والمرض منتشر في جسمها، والدكتور يقول إن حالتها صعبة جدًا، ولازم تبدأ العلاج، لكن ما يقدر يضمن لنا كيف بتكون الأيام الجاية
تجمدت في مكاني. رغم كل اللي سوته فيني، ما توقعت أسمع خبرًا مثل هذا، ولا تخيلت إن المرأة اللي كانت تتحكم في حياتي يومًا ما بتصير ضعيفة لدرجة إنها ما تقدر تقوم من سريرها.
رجعنا البيت بعد ما قرر الأطباء خطة علاجها، ومن يومها بدأت رحلة طويلة من المستشفيات والمواعيد والأدوية والتعب. لكن الصدمة الأكبر ما كانت في مرضها، بل في تصرف بناتها لما عرفوا الحقيقة
اتصل أبوي ببناته، وقال لهن إن أمهن مريضة وتحتاج وجودهن جنبها، وإنه ما يقدر يتحمل كل المسؤولية وحده. توقعت إنهن بيجون يوقفون معها، خصوصًا إنها طول عمرها تفضلهن عليّ، وتلبي طلباتهن قبل طلباتي
لكن الأولى اعتذرت بحجة إن عندها أطفالًا ومشاغل، والثانية قالت إن ظروف بيتها ما تسمح لها تجلس عند أمها، أما الثالثة، فاكتفت باتصال قصير، ووعدتها إنها تزورها لما تفضى
مرت الأيام، وما شفت وحدة منهن وقفت معها مثل ما كنت أتوقع
أما أنا، فكنت أروح معها للمستشفى، وأجهز لها أكلها، وأساعدها في احتياجاتها، وأسهر عندها لما يتعبها الألم. كنت أرجع من المستشفى منهكة، وأحيانًا أنام من التعب وأنا جالسة، لكني ما كنت أقدر أشوفها تتألم وأتركها وحدها.
وفي إحدى الليالي، كنت أساعدها تشرب الماء، وفجأة مسكت يدي بقوة، ونظرت لي بعيون مليانة دموع.
قالت بصوت ضعيف: «ليش تسوين كل هذا عشاني؟
استغربت سؤالها، وقلت: «لأنك مريضة يا خالتي، وتحتاجين أحد يوقف معك
هزت رأسها، وبدأت تبكي بحرقة، ثم قالت
«لا تكذبين عليّ يا بنتي، أنا أعرف وش سويت فيك. أنا ظلمتك، وحرمتك من فرحتك، وكنت أفضّل بناتي عليك في كل شيء، وحتى لما جاءك نصيبك، ما قدرت أتركك تفرحين».
سكتت قليلًا، ثم تابعت وهي تمسح دموعها بيد مرتجفة
«كنت أشوفك تتحملين وتضحّين عشاني، وبدل ما أقدّر طيبتك، استغليتها. كنت أعرف إنك ما راح تتركين البيت، ولا راح تقصرين في حق أبوك، وعشان كذا كنت أتمادى في ظلمك، وأنا مطمئنة إنك بتسكتين».
حسّيت بشيء يعصر قلبي. هذي أول مرة أسمعها تعترف بخطئها، وأول مرة أشوفها تبكي بسببي، مو لأنها زعلانة مني أو غاضبة عليّ، بل لأنها بدأت تفهم حجم الأذى اللي سببته لي.
مدت يدها ومسكت يدي، وقالت
«سامحيني يا بنتي، تكفين سامحيني. أنا ما عاد أبي من الدنيا شيء، بس أبي أموت وأنا مرتاحة إنك سامحتيني».
ما قدرت أرد عليها
كنت أنتظر منها كلمة مثل هذي من سنوات، وكم مرة تمنيت إنها تعترف بظلمها وتعتذر لي، لكن لما سمعتها أخيرًا، ما حسّيت بالراحة اللي كنت أتخيلها
كانت جروحي أعمق من كلمة اعتذار، والسنوات اللي ضاعت مني ما تقدر ترجعها دموعها.
قلت لها بهدوء: «ارتاحي يا خالتي، لا تتعبين نفسك بالكلام»
لكنها فهمت من صوتي إني ما سامحتها، وبدأت تبكي أكثر.
قالت: «حتى إنتِ يا بنتي؟ حتى إنتِ ما تقدرين تسامحيني؟ أنا عارفة إني ما أستاهل طيبتك، لكن والله إني ندمانة. كل ما أتذكر كيف كنت أعاملك، أحس إني كنت أظلم نفسي قبل ما أظلمك».
نزلت دموعي، لأني ما كنت أتمنى أشوفها بهالحالة، لكني في الوقت نفسه ما كنت قادرة أتجاوز كل شيء بسهولة.
في الأيام التالية، زاد تعبها، وصارت تحتاج مساعدة في أبسط الأمور. وكنت أنا اللي معها في كل موعد، وأنا اللي أسمع شكواها، وأحاول أخفف عنها، بينما بناتها يكتفين بالسؤال عنها بين فترة وفترة
حتى أبوي بدأ يشعر بالذنب، وصار يقول لي إنه ما كان لازم يصدق زوجته في كل شيء، وإنه ظلمَني لما سكت عن تصرفاتها.
لكن اعتذاره جاء متأخرًا هو الآخر، بعد ما قضيت سنوات أحاول ألفت نظره إلى وجعي، وما لقيت منه إلا الرفض.
وفي يوم، طلبت مني زوجة أبوي أجلس جنبها، وقالت إنها تبي تتكلم معي في موضوع مهم.
جلست عندها، فمسكت يدي وقالت
«تذكرين يوم رفضت الرجال اللي تقدم لك عشان بنتي؟»
ممكن نظرت إليها بصمت، وأكملت
«أنا من يومها وأنا أعرف إني كسرت قلبك، لكن كنت أقنع نفسي إني أم وأدافع عن مصلحة بنتي. ما كنت أفكر فيك، ولا في عمرك، ولا في خوفك من إنك تبقين وحدك. كنت أقول لنفسي إنك قوية وبتتحملين، وإن بنتي أولى منك لأنها أجمل وأصغر».
ثم انفجرت بالبكاء وقالت
«لكن شوفي وين وصلنا! بناتي اللي فضّلتهم عليك ما قدروا يوقفون معي، وإنتِ اللي ظلمتك هي اللي تسهرين عند رأسي. يا ليتني عرفت قيمة قلبك قبل ما يوصل فيني المرض لهالحال».
بكيت معها، مو لأن الألم اختفى، لكن لأن اعترافها أكد لي إن إحساسي بالظلم ما كان وهمًا، وإنها كانت تعرف إنها تؤذيني، ومع ذلك استمرت.
بعدها بأيام، تدهورت حالتها أكثر، وصارت تنام ساعات طويلة، وإذا صحت طلبتني أنا بالذات. كانت تمسك يدي وتقول: «لا تتركيني يا بنتي، تكفين لا تتركيني».
وكنت أبقى جنبها، رغم كل شيء، لأنني ما كنت أبغى أكون سببًا في زيادة ألمها، ولا أبغى أعيش بقية عمري وأنا أتساءل إذا كنت قسيت عليها في آخر أيامها.
وفي آخر ليلة، كانت حالتها صعبة جدًا، وأبوي جالس عند رأسها يبكي، وأنا أمسك يدها.
فتحت عيونها بصعوبة، ونظرت إليّ وقالت بصوت بالكاد يُسمع:
«سامحتيني يا بنتي؟».
نظرت إليها، وامتلأت عيوني بالدموع. كنت أعرف إن هذي يمكن تكون آخر مرة أسمع صوتها، وإنها تنتظر مني كلمة تخفف عنها خوفها وندمها.
قلت لها: «الله أعلم باللي في قلبي يا خالتي، وأنا ما أتمنى لك إلا الرحمة».
ضغطت على يدي بضعف، ونزلت دمعة من عينها، ثم أغمضت عيونها.
وبعد وقت قصير، رحلت عن الدنيا.
بكيت عليها، رغم كل اللي صار بيننا. بكيت على المرأة اللي عشت معها سنوات طويلة، وعلى العمر اللي ضاع بين الظلم والندم، وعلى اعتذار جاء في وقت ما عاد فيه مجال لإصلاح كل شيء.
بعد وفاتها، جلست أفكر كثيرًا في اللي صار. تذكرت كيف حرمتني من الزواج، وكيف كانت تقارنني ببناتها، وكيف وقفت ضدي حتى لما كنت أطلب حقي. وتذكرت أيضًا ضعفها ودموعها وندمها في آخر أيامها.
وصرت أسأل نفسي سؤالًا ما لقيت له جوابًا يريح قلبي
**هل كان لازم أسامحها قبل ما تموت، رغم كل اللي سوته فيني؟ وهل يكفي إنها ندمت وتألّمت عشان أقدر أتجاوز الجراح اللي تركتها في قلبي؟**
أحيانًا أقول لنفسي إن الله يمهل ولا يهمل، وإن الإنسان لازم يخاف من ظلم غيره، لأن الدنيا تتغير في لحظة، واللي يكون قوي اليوم ممكن يحتاج رحمة الناس بكرة.
وأحيانًا أقول إن المسامحة مو سهلة، وإن بعض الجروح تظل في القلب حتى بعد ما يرحل أصحابها، وإن الاعتذار مهما كان صادقًا ما يمسح كل شيء.
لكن أكثر شيء يؤلمني إني ما زلت إلى اليوم أتذكرها، وأتذكر نظراتها وهي تطلب مني السماح، وأتساءل: هل كان قلبي قاسيًا لأني ما قدرت أقول لها بوضوح إني سامحتها، أم إني كنت إنسانة مجروحة حاولت تتجاوز ألمها، لكن الجراح كانت أكبر من قدرتها؟
قولوا لي بصراحة: لو كنتم مكاني، هل كنتم بتسامحونها قبل موتها، رغم كل الظلم اللي عشتوه بسببها؟ أم إن بعض الجراح ما يغفرها إلا الوقت؟



