تزوجته بعد وفاة زوجته… سمعت شيئًا لم أتخيله أبدًا! الجزء الثالث

الجزء الثالث

جلست أمامه وأنا أمسك الأوراق بيدين ترتجفان، وقلبي يدق بسرعة من الخوف. كنت أنتظر منه أن يبدأ الكلام، لكنه ظل ينظر إلى الملف بصمت، وكأنه يرى أمامه تلك الليلة بكل تفاصيلها، وكأن السنوات التي مرت لم تستطع أن تمحو شيئًا مما حدث.


رفع عينيه نحوي وقال بصوت متعب: «كنت أتمنى إنك ما تعرفين الحقيقة بهالطريقة… لكن دامك وصلتي للأوراق، ما عاد أقدر أخفي عنك شيء».


سألته وأنا أحاول أتماسك: «ليش قلت لي إن أم الطفل ماتت بعد مرض طويل؟ وليش خليتني أعيش معك كل هالوقت وأنا ما أعرف الحقيقة؟»


تنهد طويلًا، ثم قال: «لأني كنت خايف… خايف إذا عرفتي اللي صار، تشوفيني إنسان ثاني، وتعتقدين إني رجل ممكن يؤذي زوجته. وأنا والله ما كنت أتمنى لها اللي صار، ولا تخيلت يوم إن حياتنا بتنتهي بهالشكل».


سكت قليلًا، ثم بدأ يحكي.


قال إن زوجته الأولى كانت أغلى إنسانة عنده، وإنه أحبها من قلبه، وعاش معها سنوات وهو يظن أن حياتهما مستقرة. لكن قبل وفاتها بفترة، بدأ يلاحظ تغيرات غريبة في تصرفاتها، ومكالمات تخفيها عنه، وأعذارًا لم تكن مقنعة. حاول أن يتجاهل شكوكه، لأنه لم يكن يريد أن يصدق أن المرأة التي أحبها قد تخونه.


لكنه في النهاية اكتشف أنها كانت على علاقة برجل آخر.


قال وهو يخفض رأسه: «واجهتها بالحقيقة في الليلة نفسها… كنت مصدوم ومجروح، وما كنت مستوعب كيف صار هذا كله وأنا أثق فيها لهالدرجة. ارتفعت أصواتنا، وبدأنا نتجادل، وكل واحد فينا يقول كلامًا ما كان المفروض ينقال».

ثم توقف، وضغط يديه ببعضهما، وكأنه يحاول أن يستجمع شجاعته ليكمل.


«كانت واقفة قريب من النافذة، وخلال الجدال تراجعت خطوة، واختل توازنها… وفجأة شفتها تسقط قدامي».


وضعت يدي على فمي، ولم أستطع أن أقول شيئًا.


أكمل بصوت مكسور: «ما دفعتها، والله ما لمستها بسوء. كل اللي صار إني كنت واقف قدامها نتجادل، وفجأة راحت مني. ركضت أحاول ألحقها، وطلبت المساعدة فورًا، لكن… ما قدرت أنقذها».


بدأت عيناه تمتلئان بالدموع، وقال: «مهما شرحت لك، ما راح تقدرين تتخيلين شعوري وأنا أشوفها قدامي وما أقدر أسوي لها شيء. حتى لو كانت جرحتني، وحتى لو اكتشفت عنها أشياء كسرت قلبي، ما كنت أتمنى تموت. كنت أبيها تعيش، وكنت أبي أفهم ليش صار كل هذا».


سألته بصوت خافت: «والتحقيق؟ الأوراق اللي شفتها… وش صار فيها؟»


قال إنه تعاون مع الجهات المختصة، وإنهم حققوا في الحادثة واستمعوا إلى أقواله وأقوال الشهود، لكن التحقيق لم يثبت أنه تعمد إسقاطها أو قتلها. ومع ذلك، لم يستطع أن يتخلص من الشعور بأنه كان يجب أن يفعل شيئًا مختلفًا، أو أن يوقف الجدال قبل أن تنتهي الأمور بهذه المأساة.


ثم نظر إليّ وقال: «لكن أصعب شيء ما كان التحقيق… أصعب شيء كان ولدي».


في تلك اللحظة، فهمت لماذا كان الطفل يخاف من الحديث عن أمه، ولماذا سألني إن كنت سأكره أباه لو عرفت الحقيقة.


قال زوجي إن الطفل كان قريبًا من المكان، وشاهد جزءًا مما حدث، لكنه كان صغيرًا ولم يستطع فهم التفاصيل. وبعد وفاة أمه، صار يخاف من الأسئلة، ومن أي حديث يعيد إليه تلك الليلة. وكان أبوه يحاول حمايته من الحقيقة، لكنه لم يعرف كيف يشرح له ما حدث دون أن يزيد خوفه وألمه.


«كنت أشوفه كل يوم يسأل عن أمه، وقلبي يتقطع. ما قدرت أقول له إنها ماتت بعد مرض طويل، لأني ما كنت أبي أكذب عليه أكثر، لكني في الوقت نفسه ما كنت قادر أشرح لطفل صغير كيف فقد أمه في ليلة واحدة. احتفظت بالأوراق كلها، وكتبت له الرسالة، وقلت لنفسي إذا كبر وصار قادرًا يفهم، بيقرأ كل شيء ويعرف أن أبوه ما أذى أمه، ولا تعمد إيذاءها».


تذكرت الرسالة التي وجدتها في الخزانة، وفهمت لماذا احتفظ بكل تلك الأوراق، ولماذا وضعها في مكان بعيد عن أعين الجميع.


لكن شيئًا واحدًا ظل يؤلمني.


قلت له: «أنا أقدر أفهم خوفك على ولدك، وأقدر أفهم إنك كنت تتألم… لكن ليش ما وثقت فيني؟ ليش خليتني أعيش معك وأنا أسمع منك قصة مختلفة تمامًا؟»


نظر إليّ طويلًا، ثم قال: «لأني كنت جبانًا أمام ماضيّ. كنت أخاف إنك إذا عرفتي الحقيقة، تتركيني، وكنت أخاف أكثر إنك تشوفين فيني رجلًا ما أستحق ثقتك. فاخترت الصمت، وقلت لنفسي إني أحمي حياتي الجديدة… لكني ما انتبهت إني وأنا أحاول أحميها، كنت أبنيها على سر كبير».


لم أعرف ماذا أقول. كنت أرى أمامي رجلًا يحمل ألمًا قديمًا، لكنني في الوقت نفسه كنت أشعر أن حقي في معرفة الحقيقة قد سُلب مني. لم يكن من السهل أن أتقبل ما سمعته، ولا أن أنسى أنه أخفى عني أمرًا بهذه الأهمية طوال فترة زواجنا.


وفي الأيام التالية، بدأت أنظر إلى تصرفاته الماضية بطريقة مختلفة. فهمت حزنه حين يرى صورة زوجته الأولى، وفهمت لماذا كان يستيقظ من نومه مفزوعًا، ولماذا كان الطفل يتحدث مع صورة أمه وكأنه يخشى أن يفشي سرًا وعد أباه بكتمانه.


لكن أكثر ما أثر فيّ كان ذلك الطفل.

ذهبت إليه وجلست بجانبه، ثم سألته بهدوء: «أنت كنت تعرف إن بابا يخبي عنك شيء، صح؟»


هز رأسه، وقال بصوت صغير: «كنت أخاف أسأله. كنت أحسب إنه زعلان مني، أو إني إذا تكلمت عن ماما بيصير شيء سيئ».


احتضنته، وشعرت بالحزن على طفل عاش سنوات يحمل خوفًا أكبر من عمره، لا لأنه يعرف الحقيقة كاملة، بل لأنه لم يجد من يشرح له ما حدث بطريقة يستطيع فهمها.

أما زوجي، فلم أستطع أن أعود إلى حياتي معه وكأن شيئًا لم يحدث. قلت له إنني لا أستطيع الحكم عليه من دون أن أفهم كل ما جرى، لكن إخفاء الحقيقة هز ثقتي به، وإنه يحتاج إلى أن يمنحني الوقت لأستوعب ما عرفته.


لم يجادلني، ولم يطلب مني أن أسامحه فورًا. اكتفى بأن قال: «أعرف إني غلطت يوم أخفيت عنك الحقيقة. ما أطلب منك تنسين، ولا أطلب منك تثقين فيني من جديد بيوم وليلة. كل اللي أتمناه إنك تعرفين إني ما قتلت أم ولدي، وإنني من يوم راحت وأنا أتمنى لو أقدر أرجع لتلك الليلة وأمنع كل شيء صار».


مرت الأيام، وبقيت الرسالة والأوراق محفوظة في مكانها، لكن السر الذي ظل حبيسًا لسنوات خرج أخيرًا إلى النور. لم تختفِ الأحزان، ولم تعد الثقة كما كانت، إلا أنني أدركت أن بعض المآسي تترك خلفها أشخاصًا يتألمون بطرق مختلفة، وأن الحقيقة قد تفسر الماضي، لكنها لا تمحو أثره بسهولة.


**والآن، بقيت حائره، هل اسامحه وامنحه فرصة جديدة بعد أن عرفتِ الحقيقة، أم أن إخفاءه السر عني طوال هذه السنوات كان كافيًا لفقدان الثقة فيه إلى الأبد؟*

شاركونا ارائكم 


Popular posts from this blog

لم أحب زوجتي يومًا رغم انها الزوجة المثالية..الجزء الثاني

ظننت أن أمي ستقبلها مع الوقت..لكن ما حدث كان العكس..

بعد شهر من الزواج، تغيّر كل شيء..الجزء الثاني