ما توقعت إن سبب حرماني من الحمل هاشي..الجزء الثالث

الجزء الثالث

كان الدكتور يقلب أوراقنا 

بصمت قاتل.. 

الغرفة كانت باردة، ورائحة المعقمات تخنق الأنفاس.


كان يركز بكل تفصيل في تلك الأوراق، 

يقطب حاجبيه ويهز رأسه ، 

يسأل عن اسم أمي ؟ تارة وعن أسم أمه ؟ 

تاره اخرى.. 


 كأنه يحاول يكتشف شيئاً مخفياً بين 

الأسطر والحقيقة انه هو كان بس يحاول 

يمهد لنا الموضوع

أنا وزوجي كنا جالسين على طرف الكراسي

 أيدينا متشابكة لدرجة أن عروقنا برزت.. كنا ننتظر كلمة، نبرة

أو حتى إيماءة تعطينا أمل.


وفجأة.. 

رفع رأسه، وسألني بصوت هادئ لكنه حاد

 ومصحوب بنظرة غريبة سكنت عيوني..


طالع فيني وبنبرة كلها أسف قال:

"العلم أحياناً يوقف عاجز قدام أسرار القلوب.. 

أنتم بالتحاليل سليمين، 



والطب يقول إنكم في قمة الخصوبة..

 لكن جيناتكم فيها 'تنافر أرواح'..

 أنتم الاثنين مستحيل تجيبون طفل طالما أنتم مع بعض."

سكتّ..

الدنيا صارت سواد، 

والصوت اللي حولي غاب كأنني 

تحت موجة عميقة من الذهول.

زوجي شد على يدي بقوة آلمتني، 

وصوته كان يرجف، يخرج مكسوراً وهو


 يسأل: 

"يعني وشو يا دكتور؟ فيه عملية؟ فيه أمل؟ 

سوينا كل شي، رحنا لكل مكان.. معقولة ما فيه حل؟



رد الدكتور وهو ينزل نظارته ببطء، وعيونه تملأها الشفقة:


"الحل الوحيد والقطعي..

 واعتذر منكم على قسوة الكلام.. 

هو إنكم تنفصلون.

أنت لو تزوجت غيرها بتجيب 

عيال، وهي لو تزوجت غيرك بتجيب عيال..



جيناتكم ببساطة ترفض بعضها البعض.. 

أنتم مع بعض؟ طريقكم مسدود."



طلعنا من العيادة والخطوات أثقل من الجبال..

الجو كان بارد، والناس تمر من حولنا، 

يضحكون، يركضون، ولا هم حاسين بالنار اللي تحرق صدورنا.



كان فيه طفل صغير يركض وراء كرة في الممر،

 طالعنا فيه في نفس اللحظة، ثم هربت عيوننا من بعضنا البعض.

ركبنا السيارة.. الصمت كان مرعباً.


هو مسك المقود بقوة لين بياضت مفاصيله،

 كان يتنفس بصعوبة كأن الأكسجين خلص من الكون.



طالعت في ملامحه اللي أحبها، في وجهه 

اللي حفظت كل تفاصيله، وحسيت بغصة في حلقي.. كيف ممكن يكون "الحب" هو العائق؟



كنا نمشي في الممرات، ونحس بنظرات 

الناس تلاحقنا كأنها سياط تنهش فينا.

نظرات العطف اللي تذبح، والأسئلة اللي نسمعها 

في كل مناسبة وتنهش 

فينا بغير قصد: "ما فيه شي جديد؟"

فلانة تزوجت بعدكم وعندها اثنين.. الله يرزقكم".



قدرنا كان أغرب من الخيال.. 

الناس تحسب إن العيب فينا، إن أحدنا "ناقص"..


وما دروا إننا كاملين، لكننا "متنافرين"..

وإن ذنبنا الوحيد إن قلوبنا التحمت لدرجة إن جيناتنا 

رفضت تهدينا حياة جديدة.



وصلنا البيت.. 

ذاك البيت اللي أثثناه قطعة قطعة بضحكاتنا.

كانت هناك "تلك الغرفة".. 

الغرفة التي صبغناها باللون السماوي 


الهادئ في لحظة أمل، ووضعنا فيها كرسياً هزازاً كنا نتناوب 

الجلوس عليه ونتخيل طفلنا بين أيدينا.



فتح الباب ببطء، 

ونظر إلى الفراغ الساكن في أرجائها..

 كل زاوية كانت تصرخ في وجهنا وتسخر من أحلامنا.


جلس على طرف السرير،

 ونزل رأسه بين يدينه، 

وصوته طلع مخنوق بالدموع وهو 


يقول

"تبين تروحين؟"

سألني السؤال وهو يدري إن روحه معلقة فيني،

 لكنه يبي يبرئ ذمته أمام رغبتي في الأمومة.



قلبي انكسر ألف قطعة..

رحت جلست عند رجوله، مسكت يدينه المرتجفة 

وبكيت بمرارة:

"كيف أروح؟ وكيف أتخيل عمري مع غيرك؟


أنا لو جاني طفل من غيرك، بحس إني خنته قبل لا أشوفه..



أنا أبي 'قطعة منك'، ما أبي مجرد طفل يملي البيت..

 لو كان الثمن هو حرماننا،

 فأنا راضية بحرمان يجمعني بك، ولا جنة تفرقني عنك.



رفع رأسي، وعيونه كانت غارقة في وجع السنين:

"بس أنتِ تموتين في الأطفال..

 كل ما شفتي طفل في السوق عيونك تلمع..



أنا ما أبي أكون السجن اللي حرمك من أعظم شعور في الدنيا..



ما أبي يجي يوم وتناظرين فيني بعد عشر سنين 

وتحسين إني العائق اللي قتل حلمك."


ضمني بقوة، وبكينا بكاء ناس انحطوا بين أصعب خيارين

 في الوجود..

يا "الحب" اللي هو روحنا ونبضنا.. 

يا "الضنا" اللي هو حلمنا وغريزتنا.



بدأت ضغوط الأهل تزيد، والهمسات في المجالس لا تهدأ.

أمه كانت تنظر لي بعتب خفي، 

وأمي كانت تبكي سراً وتدعو لي بالخلف الصالح.



كانوا يقترحون علينا "الرقية"، "الأعشاب"، 

"السفر للخارج"..

 وما علموا أننا سافرنا 

إلى أبعد حدود العلم، وعدنا بقلوب محطمة.

كانت الكلمات الجارحة تصلنا


: "حرام تضيعون شبابكم كذا"، 

"الرجل ماله إلا عياله يشيلون اسمه".

كل كلمة كانت تزيد الشرخ في أرواحنا، 

وتجعلنا نتمسك ببعضنا أكثر، 

كأننا غريقان في محيط من الألم.



تمسكنا ببعض والوجع ينهش فينا، اخترنا "حنا"..

اخترنا نكون السند لبعضنا،

 وتركنا حلم الأمومة والأبوة يذبل على عتبة نصيبنا المرّ.

قررنا إن حبنا هو طفلنا

 وإننا بنكتفي ببعضنا في وجه كل نظرات 

المجتمع وكلام الناس اللي ما يرحم.



لكن الواقع كان أقسى مما تخيلنا..

عشنا تالي العمر في صراع ما يهدأ، صراع يومي بين العقل والقلب.


نمشي في الشوارع ونشوف الآباء مع أولادهم، 

ونبتسم لبعض بكسرة قلب..

نرجع لبيتنا الهادئ، الساكت، 

اللي ما فيه صرخة طفل ولا ضحكة بريئة

 تكسر وحشة الليل.


عشنا غارقين في حسرة تنهش أرواحنا في كل ليلة؛

بين حبنا اللي عجز أن يموت وفضل يبقى رغم الوجع،

وبين غريزة الأطفال اللي ما تنتهي،

وتصحى فينا مع كل نبضة قلب ندمانة😔. 

Popular posts from this blog

لم أحب زوجتي يومًا رغم انها الزوجة المثالية..الجزء الثاني

ظننت أن أمي ستقبلها مع الوقت..لكن ما حدث كان العكس..

بعد شهر من الزواج، تغيّر كل شيء..الجزء الثاني